الصقر الجارح
19-Jun-2004, 12:00
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
والله سبحانه وتعالى أعلن امتناعه عن القسم بيوم القيامة، ثم إنه امتنع مرة أخرى عن القسم بالنفس اللوامة، لأنها بمثابة المحكمة الداخلية التي لابد للإنسان منها؛ فهو إذا كان بمستطاعه التهرب من هذا أو ذاك، فإنه عاجز في حقيقة الأمر عن مراوغة النفس...
? لآ أقسم بيوم القيامة * ولآ أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر * ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره( (القيامة/1-15)
بين جميع الكائنات؛ يبقى الإنسان قادرا على تغيير نفسه، إذ كلما خلق الله سبحانه وتعالى من خلق - حسب معلوماتنا- جعل أمره بيده سبحانه، سوى الإنسان الذي أعطاه ربه بعضا من المميزات بيده مباشرة..
فالإنسان يستطيع بأمر الله وإذنه، وبما أعطاه من قدرته القائمة أن يصلح نفسه بنفسه، وأن يجدد ذاته ويخلقها بإذن الله خلقا جديدا. وهذه القدرة تأتي من قدرة ابن آدم على استشراف نفسه من داخلها، فهو قادر في لحظات على أن يصبح إنسانيين؛ إنسان يحاسب، وإنسان يحاسب؛ إنسان يقيم وآخر يقيم؛ إنسان يلوم وآخر يلام، حيث سيتشرف من فوق ويطلع على نفسه بنفسه، فينتقدها ويحاسبها ويزنها ويعيد بين فترة وأخرى حساباتها المعقدة، وبهذه القدرة الفائقة أصبح الإنسان إنسانا.
ونقرأ في قصة أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، كيف سقطا السقوط الذي من شأنه أن يضعف الإنسان. سقطا في فتنة الشجرة المنهي عنها، ولكن دعنا ننظر إلى الجانب الآخر من القصة، وكيف أنهما ارتفعا من بعد ذلك السقوط.
فحينما ارتفع آدم وحواء من وهدة السقوط في فتنة الاقتراب من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها، لم يرتفعا أو يعودا إلى المستوى الذي كانا عليه من قبل فقط، وإنما قد حلقا إلى حد اصطفاهما الله فيه واجتباهما. بمعنى أن توبة آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام قد تقدمت بهما إلى أعلى من مستواهما الذي سبق السقوط، وهذه القصة ليست حكرا على آدم فحسب، وإنما صادفها كثير من الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام.
والقضية هي أن الله عز اسمه قد يرخي حبل عصمته - تبعا لحكمة بالغة هو يراها دون غيره - لنبي من أنبيائه ليسقط قليلا، ليس سقوط الذنب والقبيح، وإنما سقوط ترك الأولى.. وهذا ما حدث للنبي سليمان عليه السلام الذي كان زاهدا وعابدا، حتى أنه قد روي أنه كان يأكل بيده الخل والخبز، كما كان ملبسه الخشن رغم أن الله قد أعطاه ما لم يعط أحدا من العالمين من الملك والإمكانات الهائلة، ولكنه كان يحرص على أن يكون له ولد يرثه ليتولى أمر الملك من بعده، كما كان هو قد ورث أباه داود عليه السلام.
ونستطيع أن نمثل لهذا السقوط بمثل السقطات التي قد تتعرض لها الطائرات بين الحين والآخر لدى مواجهتها لما يسمى بالمطبات الجوية التي تجبرها على النزول شيئا يسيرا، وهكذا هو نزول بعض الأنبياء والرسل بداعي إرخاء حبل العصمة لهم من قبل الله سبحانه وتعالى.
ولكن ما هو الهدف والحكمة الإلهية من هذا الامتحان الذي يتعرض له هذا النبي أو ذاك؟!
إن النبي المعصوم بعد أن يرتفع بإيمانه بالله تعالى والتسليم له، ينطلق بحركة قوية جدا، فهو يحلق تحليقا كبيرا حتى يصل إلى أعلى علين، وإرخاء حبل العصمة له من قبل الله ليس إلا شحنة قوية تزيده انطلاقا وانبعاثا وتحليقا. ولذلك كان الإنسان التائب من الذنب - في بعض الأحيان- أرقى ممن لا ذنب له، إذ أن من لا ذنب له قد يصاب بشيء من الكبر والغرور، ولكن الذي يتوب بفعل ذنب من الذنوب يكون في خضم ردة فعل وندم وتألم قلبي على نفسه ومصيره، حيث يرى نار جهنم محدقة به، ما يدفعه إلى التحليق حتى يصبح في أعلى علين، أما الذي لا ذنب له تراه لا يحلق مثل هذا التحليق.
إذن؛ فقدرة الإنسان على إصلاح نفسه هي قدرة هائلة جدا، ومن هنا نجد في النصوص الإسلامية تأكيدا ملحا على التوبة، حيث قال تعالى: ) توبوا إلى الله توبة نصوحا(
إن استشراف الإنسان على نفسه وقدرته على اكتشافها بنفسه ومحاسبتها،، هذه القدرة الهائلة تعطي للإنسان أصل التقوى؛ بمعنى قاعدة الانطلاق نحو قمة التقوى، ولذلك جاء في الحديث الشريف: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا"، و "ليس منا - أهل البيت عليهم السلام - من لم يحاسب نفسه كل يوم مرة". وقد ورد في كثير من قصص الأولياء والعلماء والعباد والزهاد أن بعضهم كان لديهم الكتب التي يدونون فيها أخطاءهم وذنوبهم، ليعودوا إلى مطالعتها بين الفترة والأخرى ومراجعتها والتوبة منها، ليزدادوا علوا وعبادة وتحليقا.. لئلا يغتر أو يتملكه الكبر حينما يلتف حوله الناس. وقد كان جدي المرحوم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره) الشريف لديه كتاب قد سجل فيه ما سجل، وكان يخاطب نفسه باسمه الشخصي في خلواته مرارا وتكرارا، حيث يقول: يا مهدي! انتبه إلى الصراط وكيف تجوزه، وانظر إلى القبر وظلمته وكيف ستجلس فيه وتقاوم وحشته وحيدا فريدا... وذلك كله وغيره حتى يكبح جماح نفسه وينطلق من محاسبتها الدائمة إلى قمة التقوى والورع. فهذا المرجع أو ذاك قد لا يجد من ينصحه أو يذكره أو ينبهه إلى ما قد يرتكبه من أخطاء، فليس وسيلة أجدر إلى التوبة أو تلافي الأخطاء من محاسبة الذات وكبح جماحها ومخاطبتها باللوم إزاء أخطائها ومكاشفتها بحقيقتها، ومن ثم الانتقال بها إلى شاطئ الأمان والاستقرار والاطمئنان والنـزاهة.
إن أول شيء تطلعنا به سورة القيامة المباركة التي قدمنا بها على الحديث هو أنها تبدأ بتعظيم يوم القيامة، حيث تبلى فيه السرائر ويكشف فيه ما كان خافيا في ذهن الإنسان وذاكرته. فهو يوم البلاء ويوم الظهور المطلق ويوم الفتنة ويوم المحكمة الكبرى، حيث تشهد على الإنسان آنذاك جميع جوارحه.
والله سبحانه وتعالى أعلن امتناعه عن القسم بيوم القيامة، ثم إنه امتنع مرة أخرى عن القسم بالنفس اللوامة، لأنها بمثابة المحكمة الداخلية التي لابد للإنسان منها؛ فهو إذا كان بمستطاعه التهرب من هذا أو ذاك، فإنه عاجز في حقيقة الأمر عن مراوغة النفس بالمعاذير، كما هو الحال بالنسبة إلى واقعة تجاه محكمة يوم القيامة.
وعلى هذا الأساس؛ فقاعدة الانطلاق والصعود على قمة التقوى السامية تبدأ من مكاشفة النفس بذنوبها وأخطائها، وحري بالإنسان أن يخلو إلى نفسه خلوة في مسجد من المساجد مثلا فيجلس إليها ويحاكمها، حتى يشعر حينها بأن إنسانا آخر يحاوره، وطرف المحاورة طبعا هو عقل الإنسان ذاته ونفسه اللوامة التي تذكره بما ارتكبه من ذنوب وموبقات حتى يصل إلى مرحلة الراحة النفسية، والاطمئنان الروحي؛ لأنه بهذه الوسيلة يكون قد قطع شوطا كبيرا جدا على جادة اكتشاف الأخطاء والتصميم على تلافيها وهجرها. فالذنوب في داخل النفس كما الجرائم داخل الجسم، ولن يجد الجسم الإنساني طعما للراحة ما لم يطرد الجرائم من داخله...
وبعد أن يستشرف الإنسان على نفسه ويتصور نفسه في أعلى قاعة عجيبة الصنعة والهندسة، سيرى مرة أخرى شيئا عجيبا في نفسه. سيرى نوعين من الحيوانات فيها؛ حيوانات ذات طبيعة سبعية، وحيوانات أليفة. أما الحيوانات السبعية فتتجسد بالأفكار الخاطئة والوساوس الشيطانية، وهي تشبه إلى حد كبير العقرب والذئب. ويقابلها التوجهات الصحيحة والفطرة النزيهة التي من طبيعتها توجيه الإنسان إلى جادة الطهر وحسن الخلق، وهي تشبه الحيوانات الأليفة المريحة كالطاووس والبلبل وطيور الحب وما أشبه ذلك من حيوانات.
وعندما يكتشف المرء ما في داخله من أفكار، سيجد نوعا من ذلك يسمى بالوساوس الشيطانية، كالحمية والعصبية والغرور والكبر والكذب، كما يرى نوعا آخر من الوسوسة الشيطانية، وهي الخوف من المستقبل القائم على أساس عدم الثقة بالله سبحانه وتعالى، فتجد الإنسان الخائف غير المعتمد على ربه لا ينفق في سبيل الله ويتجه إلى تعاطي الربا منساقا وراء الوساوس الشيطانية التي تدفعه باتجاه الحرص والطمع وتناسي رحمة الله ونعمته وجميل رزقه..
كما أنه من جانب آخر؛ يرى هذا الإنسان أفكارا جميلة تحويها ذاته وتدعوه إلى الإحسان إلى الناس والمحبة والألفة والصلاة والصيام والحج والتقوى.
والإنسان بين هذا وذاك، يكون عرضة لضغوط الشيطانية التي لا تسمح له بفتح عينيه ليرى حقيقة أمره، بل إن هذه الضغوط التي تأخذ أشكالا عديدة لتصور له الموبقات شيئا جميلا حتى يلتصق بها ويألفها وكأنها هي الحالة الطبيعية للإنسان.. وهو -الإنسان - يتوجب عليه أن يضع نظارة خاصة على عينية، بل وعليه أن يستعين بأدق أجهزة الرؤية ليخترق الواقع فيرى الحقيقة كما هي. وليست هذه النظارة أو الأجهزة المشار إليها إلا التقوى والاهتداء بنور الله سبحانه وتعالى الذي هو نور البصائر القرآنية وسيرة وروايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
وإنما يتمكن المرء من التمييز بين الأفكار الإيجابية وبين الأفكار السلبية بالبصائر القرآنية قبل كل شيء. فالفكر الإيجابي الذي ينبع عن العقل والوحي وحتى الملائكة الموكلين بقلب الإنسان، نظرا لأن قلب ابن آدم موكل به ثلاثة وثلاثون ملكا، ومثل ذلك من الشياطين الذين لا يضيعون جهدا في إغفال الإنسان وجره إلى هاوية الموبقة.
وإذا ما أراد المرء اكتشاف الجيد من الردئ عليه التأكد بأن القرآن الكريم قد صرح بأن الفكر الصحيح هو الفكر المستقر، وأن الفكر السيئ والردئ هو الذي يتصف بالاضطراب. فالذي يتبع الهوى تراه شخصا مضطربا، لأن هوى النفس كالرياح التي تعصف تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وهي تتجه في كل لحظة وجهة معينة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: )... واتبع هواه وكان أمره فرطا( (الكهف 28) كأهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل في لحظة ثم قتلوا الذي بعثه وهو الإمام الحسين عليه السلام في اللحظة التالية لها. فإذا رأيت -أيها الأخ المؤمن- شخصا يرفع كل يوم علما وينادي كل يوم بشعار فأعلم أنه شخص من أصحاب الهوى والأفكار السيئة الخاطئة ممن أغفل الله قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطا، هذا أولا..
وأما ثانيا: فهو أن الأفكار الصحيحة هي أفكار ذات جذور ضاربة، على النقيض من الأفكار الهوائية الخاطئة، فأن تسأل أحدهم عن عدم إقامته للصلاة أو عدم انتهائه عن المنكر، فإنه لا يسعه سوى الإجابة عن القول بأنه يكره هذا أو يحب ذاك، دونما دليل بين يديه يقدمه أو يقنع المعترض عليه.. بينما الأفكار الصحيحة لها ولصاحبها الدليل المتين المقنع لكل صاحب منطق وإنصاف، لأنها تستند أولا وآخرا إلى الوحي والعقل والقواعد الفكرية الإنسانية الأصيلة، وقد قال تبارك وتعالى بهذا الصدد: )كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها( (إبراهيم 24ـ25) في حين أن )مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار( (إبراهيم 26) ثم يقول سبحانه: )يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا( (إبراهيم 27) إذ المؤمن ذو قول ثابت مهما طال عليه الأمد ومهما تقلبت حوله الأحوال وضغطت عليه الضغوط، لأنه يعلم مسبقا أن ما أصابه ويصيبه من ضر فمن الله، وما أصابه ويصيبه من شر فمن نفسه، وبالتالي فهو لا يغتر بما آتاه الله، ولا ييأس أو ينغمس فيما قد يضغط عليه أو يتعرض له، لأنه يؤمن بالله ويعتمد عليه، وهو من جانب آخر قد ألهمه الله الصبر والقناعة والقوة والشجاعة..
فالقول الثابت -إذن- من أدلة الفكر الصحيح، أما الكلمة الخبيثة فهي مفتقرة إلى الجذر الإلهي المنطقي.
أما النقطة الثالثة التي تميز الحق عن الباطل، فهي أن الحق منسجم مع نفسه، بينما الباطل متهافت ومتناقض مع ذاته.
والله سبحانه وتعالى أعلن امتناعه عن القسم بيوم القيامة، ثم إنه امتنع مرة أخرى عن القسم بالنفس اللوامة، لأنها بمثابة المحكمة الداخلية التي لابد للإنسان منها؛ فهو إذا كان بمستطاعه التهرب من هذا أو ذاك، فإنه عاجز في حقيقة الأمر عن مراوغة النفس...
? لآ أقسم بيوم القيامة * ولآ أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر * ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره( (القيامة/1-15)
بين جميع الكائنات؛ يبقى الإنسان قادرا على تغيير نفسه، إذ كلما خلق الله سبحانه وتعالى من خلق - حسب معلوماتنا- جعل أمره بيده سبحانه، سوى الإنسان الذي أعطاه ربه بعضا من المميزات بيده مباشرة..
فالإنسان يستطيع بأمر الله وإذنه، وبما أعطاه من قدرته القائمة أن يصلح نفسه بنفسه، وأن يجدد ذاته ويخلقها بإذن الله خلقا جديدا. وهذه القدرة تأتي من قدرة ابن آدم على استشراف نفسه من داخلها، فهو قادر في لحظات على أن يصبح إنسانيين؛ إنسان يحاسب، وإنسان يحاسب؛ إنسان يقيم وآخر يقيم؛ إنسان يلوم وآخر يلام، حيث سيتشرف من فوق ويطلع على نفسه بنفسه، فينتقدها ويحاسبها ويزنها ويعيد بين فترة وأخرى حساباتها المعقدة، وبهذه القدرة الفائقة أصبح الإنسان إنسانا.
ونقرأ في قصة أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، كيف سقطا السقوط الذي من شأنه أن يضعف الإنسان. سقطا في فتنة الشجرة المنهي عنها، ولكن دعنا ننظر إلى الجانب الآخر من القصة، وكيف أنهما ارتفعا من بعد ذلك السقوط.
فحينما ارتفع آدم وحواء من وهدة السقوط في فتنة الاقتراب من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها، لم يرتفعا أو يعودا إلى المستوى الذي كانا عليه من قبل فقط، وإنما قد حلقا إلى حد اصطفاهما الله فيه واجتباهما. بمعنى أن توبة آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام قد تقدمت بهما إلى أعلى من مستواهما الذي سبق السقوط، وهذه القصة ليست حكرا على آدم فحسب، وإنما صادفها كثير من الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام.
والقضية هي أن الله عز اسمه قد يرخي حبل عصمته - تبعا لحكمة بالغة هو يراها دون غيره - لنبي من أنبيائه ليسقط قليلا، ليس سقوط الذنب والقبيح، وإنما سقوط ترك الأولى.. وهذا ما حدث للنبي سليمان عليه السلام الذي كان زاهدا وعابدا، حتى أنه قد روي أنه كان يأكل بيده الخل والخبز، كما كان ملبسه الخشن رغم أن الله قد أعطاه ما لم يعط أحدا من العالمين من الملك والإمكانات الهائلة، ولكنه كان يحرص على أن يكون له ولد يرثه ليتولى أمر الملك من بعده، كما كان هو قد ورث أباه داود عليه السلام.
ونستطيع أن نمثل لهذا السقوط بمثل السقطات التي قد تتعرض لها الطائرات بين الحين والآخر لدى مواجهتها لما يسمى بالمطبات الجوية التي تجبرها على النزول شيئا يسيرا، وهكذا هو نزول بعض الأنبياء والرسل بداعي إرخاء حبل العصمة لهم من قبل الله سبحانه وتعالى.
ولكن ما هو الهدف والحكمة الإلهية من هذا الامتحان الذي يتعرض له هذا النبي أو ذاك؟!
إن النبي المعصوم بعد أن يرتفع بإيمانه بالله تعالى والتسليم له، ينطلق بحركة قوية جدا، فهو يحلق تحليقا كبيرا حتى يصل إلى أعلى علين، وإرخاء حبل العصمة له من قبل الله ليس إلا شحنة قوية تزيده انطلاقا وانبعاثا وتحليقا. ولذلك كان الإنسان التائب من الذنب - في بعض الأحيان- أرقى ممن لا ذنب له، إذ أن من لا ذنب له قد يصاب بشيء من الكبر والغرور، ولكن الذي يتوب بفعل ذنب من الذنوب يكون في خضم ردة فعل وندم وتألم قلبي على نفسه ومصيره، حيث يرى نار جهنم محدقة به، ما يدفعه إلى التحليق حتى يصبح في أعلى علين، أما الذي لا ذنب له تراه لا يحلق مثل هذا التحليق.
إذن؛ فقدرة الإنسان على إصلاح نفسه هي قدرة هائلة جدا، ومن هنا نجد في النصوص الإسلامية تأكيدا ملحا على التوبة، حيث قال تعالى: ) توبوا إلى الله توبة نصوحا(
إن استشراف الإنسان على نفسه وقدرته على اكتشافها بنفسه ومحاسبتها،، هذه القدرة الهائلة تعطي للإنسان أصل التقوى؛ بمعنى قاعدة الانطلاق نحو قمة التقوى، ولذلك جاء في الحديث الشريف: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا"، و "ليس منا - أهل البيت عليهم السلام - من لم يحاسب نفسه كل يوم مرة". وقد ورد في كثير من قصص الأولياء والعلماء والعباد والزهاد أن بعضهم كان لديهم الكتب التي يدونون فيها أخطاءهم وذنوبهم، ليعودوا إلى مطالعتها بين الفترة والأخرى ومراجعتها والتوبة منها، ليزدادوا علوا وعبادة وتحليقا.. لئلا يغتر أو يتملكه الكبر حينما يلتف حوله الناس. وقد كان جدي المرحوم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره) الشريف لديه كتاب قد سجل فيه ما سجل، وكان يخاطب نفسه باسمه الشخصي في خلواته مرارا وتكرارا، حيث يقول: يا مهدي! انتبه إلى الصراط وكيف تجوزه، وانظر إلى القبر وظلمته وكيف ستجلس فيه وتقاوم وحشته وحيدا فريدا... وذلك كله وغيره حتى يكبح جماح نفسه وينطلق من محاسبتها الدائمة إلى قمة التقوى والورع. فهذا المرجع أو ذاك قد لا يجد من ينصحه أو يذكره أو ينبهه إلى ما قد يرتكبه من أخطاء، فليس وسيلة أجدر إلى التوبة أو تلافي الأخطاء من محاسبة الذات وكبح جماحها ومخاطبتها باللوم إزاء أخطائها ومكاشفتها بحقيقتها، ومن ثم الانتقال بها إلى شاطئ الأمان والاستقرار والاطمئنان والنـزاهة.
إن أول شيء تطلعنا به سورة القيامة المباركة التي قدمنا بها على الحديث هو أنها تبدأ بتعظيم يوم القيامة، حيث تبلى فيه السرائر ويكشف فيه ما كان خافيا في ذهن الإنسان وذاكرته. فهو يوم البلاء ويوم الظهور المطلق ويوم الفتنة ويوم المحكمة الكبرى، حيث تشهد على الإنسان آنذاك جميع جوارحه.
والله سبحانه وتعالى أعلن امتناعه عن القسم بيوم القيامة، ثم إنه امتنع مرة أخرى عن القسم بالنفس اللوامة، لأنها بمثابة المحكمة الداخلية التي لابد للإنسان منها؛ فهو إذا كان بمستطاعه التهرب من هذا أو ذاك، فإنه عاجز في حقيقة الأمر عن مراوغة النفس بالمعاذير، كما هو الحال بالنسبة إلى واقعة تجاه محكمة يوم القيامة.
وعلى هذا الأساس؛ فقاعدة الانطلاق والصعود على قمة التقوى السامية تبدأ من مكاشفة النفس بذنوبها وأخطائها، وحري بالإنسان أن يخلو إلى نفسه خلوة في مسجد من المساجد مثلا فيجلس إليها ويحاكمها، حتى يشعر حينها بأن إنسانا آخر يحاوره، وطرف المحاورة طبعا هو عقل الإنسان ذاته ونفسه اللوامة التي تذكره بما ارتكبه من ذنوب وموبقات حتى يصل إلى مرحلة الراحة النفسية، والاطمئنان الروحي؛ لأنه بهذه الوسيلة يكون قد قطع شوطا كبيرا جدا على جادة اكتشاف الأخطاء والتصميم على تلافيها وهجرها. فالذنوب في داخل النفس كما الجرائم داخل الجسم، ولن يجد الجسم الإنساني طعما للراحة ما لم يطرد الجرائم من داخله...
وبعد أن يستشرف الإنسان على نفسه ويتصور نفسه في أعلى قاعة عجيبة الصنعة والهندسة، سيرى مرة أخرى شيئا عجيبا في نفسه. سيرى نوعين من الحيوانات فيها؛ حيوانات ذات طبيعة سبعية، وحيوانات أليفة. أما الحيوانات السبعية فتتجسد بالأفكار الخاطئة والوساوس الشيطانية، وهي تشبه إلى حد كبير العقرب والذئب. ويقابلها التوجهات الصحيحة والفطرة النزيهة التي من طبيعتها توجيه الإنسان إلى جادة الطهر وحسن الخلق، وهي تشبه الحيوانات الأليفة المريحة كالطاووس والبلبل وطيور الحب وما أشبه ذلك من حيوانات.
وعندما يكتشف المرء ما في داخله من أفكار، سيجد نوعا من ذلك يسمى بالوساوس الشيطانية، كالحمية والعصبية والغرور والكبر والكذب، كما يرى نوعا آخر من الوسوسة الشيطانية، وهي الخوف من المستقبل القائم على أساس عدم الثقة بالله سبحانه وتعالى، فتجد الإنسان الخائف غير المعتمد على ربه لا ينفق في سبيل الله ويتجه إلى تعاطي الربا منساقا وراء الوساوس الشيطانية التي تدفعه باتجاه الحرص والطمع وتناسي رحمة الله ونعمته وجميل رزقه..
كما أنه من جانب آخر؛ يرى هذا الإنسان أفكارا جميلة تحويها ذاته وتدعوه إلى الإحسان إلى الناس والمحبة والألفة والصلاة والصيام والحج والتقوى.
والإنسان بين هذا وذاك، يكون عرضة لضغوط الشيطانية التي لا تسمح له بفتح عينيه ليرى حقيقة أمره، بل إن هذه الضغوط التي تأخذ أشكالا عديدة لتصور له الموبقات شيئا جميلا حتى يلتصق بها ويألفها وكأنها هي الحالة الطبيعية للإنسان.. وهو -الإنسان - يتوجب عليه أن يضع نظارة خاصة على عينية، بل وعليه أن يستعين بأدق أجهزة الرؤية ليخترق الواقع فيرى الحقيقة كما هي. وليست هذه النظارة أو الأجهزة المشار إليها إلا التقوى والاهتداء بنور الله سبحانه وتعالى الذي هو نور البصائر القرآنية وسيرة وروايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
وإنما يتمكن المرء من التمييز بين الأفكار الإيجابية وبين الأفكار السلبية بالبصائر القرآنية قبل كل شيء. فالفكر الإيجابي الذي ينبع عن العقل والوحي وحتى الملائكة الموكلين بقلب الإنسان، نظرا لأن قلب ابن آدم موكل به ثلاثة وثلاثون ملكا، ومثل ذلك من الشياطين الذين لا يضيعون جهدا في إغفال الإنسان وجره إلى هاوية الموبقة.
وإذا ما أراد المرء اكتشاف الجيد من الردئ عليه التأكد بأن القرآن الكريم قد صرح بأن الفكر الصحيح هو الفكر المستقر، وأن الفكر السيئ والردئ هو الذي يتصف بالاضطراب. فالذي يتبع الهوى تراه شخصا مضطربا، لأن هوى النفس كالرياح التي تعصف تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وهي تتجه في كل لحظة وجهة معينة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: )... واتبع هواه وكان أمره فرطا( (الكهف 28) كأهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل في لحظة ثم قتلوا الذي بعثه وهو الإمام الحسين عليه السلام في اللحظة التالية لها. فإذا رأيت -أيها الأخ المؤمن- شخصا يرفع كل يوم علما وينادي كل يوم بشعار فأعلم أنه شخص من أصحاب الهوى والأفكار السيئة الخاطئة ممن أغفل الله قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطا، هذا أولا..
وأما ثانيا: فهو أن الأفكار الصحيحة هي أفكار ذات جذور ضاربة، على النقيض من الأفكار الهوائية الخاطئة، فأن تسأل أحدهم عن عدم إقامته للصلاة أو عدم انتهائه عن المنكر، فإنه لا يسعه سوى الإجابة عن القول بأنه يكره هذا أو يحب ذاك، دونما دليل بين يديه يقدمه أو يقنع المعترض عليه.. بينما الأفكار الصحيحة لها ولصاحبها الدليل المتين المقنع لكل صاحب منطق وإنصاف، لأنها تستند أولا وآخرا إلى الوحي والعقل والقواعد الفكرية الإنسانية الأصيلة، وقد قال تبارك وتعالى بهذا الصدد: )كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها( (إبراهيم 24ـ25) في حين أن )مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار( (إبراهيم 26) ثم يقول سبحانه: )يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا( (إبراهيم 27) إذ المؤمن ذو قول ثابت مهما طال عليه الأمد ومهما تقلبت حوله الأحوال وضغطت عليه الضغوط، لأنه يعلم مسبقا أن ما أصابه ويصيبه من ضر فمن الله، وما أصابه ويصيبه من شر فمن نفسه، وبالتالي فهو لا يغتر بما آتاه الله، ولا ييأس أو ينغمس فيما قد يضغط عليه أو يتعرض له، لأنه يؤمن بالله ويعتمد عليه، وهو من جانب آخر قد ألهمه الله الصبر والقناعة والقوة والشجاعة..
فالقول الثابت -إذن- من أدلة الفكر الصحيح، أما الكلمة الخبيثة فهي مفتقرة إلى الجذر الإلهي المنطقي.
أما النقطة الثالثة التي تميز الحق عن الباطل، فهي أن الحق منسجم مع نفسه، بينما الباطل متهافت ومتناقض مع ذاته.