الصقر الجارح
19-Jun-2004, 12:25
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
هناك الكثير من الناس يطمحون لأن يكونوا قيادات سياسية او زعماء اجتماعيين، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا، بداعي انهم لم يوفروا في انفسهم شروط القيادة والزعامة، ولم يعملوا ضمن منهجية دقيقة، فأصبحوا نزلاء السجون او ممتهني اللجوء الى بلاد اخرى. وسائل ...
{من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا * ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } (النساء/80-83)
كل فرد من افراد بني آدم يتطلع الى المجد، والى ان يصبح إنسانا عظيما. وكل تجمع يبحث عن المجد، ليكون تجمعا مرموقا.[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
ولكن ليس كل الافراد أو جميع المجتمعات يحققون ما يهدفون، فالأغلب من الناس كافراد ومجتمعات يصطدمون بمشاكل وازمات وعقبات تعيقهم عن الوصول الى غاياتهم المنشودة وبالتالي تدفعهم الى نسيانها في خضم حالة الانهيار، التي قد يقعون فيها ولذلك نشاهد الكثير من الناس كافراد وتجمعات يعيشون متخلفين، عوضا عن ان يكونوا متقدمين.
طبيعة السنن الكونية:
والعلة الكبرى في هذا التفاوت المشهود، ان الله سبحانه وتعالى وضع سننا كونية عامة في خلقه وفيما حولهم؛ من استطاع استثمارها يبلغ المجد، ومن تعطل دونها يبقى حيث هو، بل قد يتراجع ويتخلف حتى عن النقطة التي بدأ منها.
وسنن الله عز وجل في خلقه بشكل عام هي عوامل النهضة لكل فرد وامة، وهي أسباب التقدم والرقي. ومن عرفها والتزم بها تقدم وتطور، والعكس بالعكس.
وبين هذا وذاك، تكشف لنا التجربة التأريخية لشعوبنا المسلمة، ان هذه الشعوب -مع الأسف البالغ- تعيش منذ امد طويل الاحلام والاماني في مقابل ما تطمح الى تحقيقه. بل لقد تعدى الامر بها الى ان اصبحت احلامها تافهة بليدة، تبعا لما اوقعت بنفسها في ازمات معقدة، ووضعت امامها عقبات قد يستحيل تجاوزها خلال الفترة المنظورة على اقل تقدير.
منذ ما يزيد على مائة عام صدع السيد جمال الدين الاسد آبادي (الافغاني) اذهان المسلمين بكلمته الرائعة: لماذا الشرق متخلف؟
وقبل حوالي خمسين عاما كتب الامير ارسلان كتابه المعروف " لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم" وغير هذين العلمين هناك العشرات من الرواد المصلحين الذين تقدموهم او تأخروا عنهم، كانت ولا تزال لهم نداءاتهم وأطروحاتهم النهضوية والاصلاحية. الا ان الواقع لا يزال هو هو... فمنذ قرون كان الناس في بلدان الشرق تبحث عن التطور، وكان الانسان المشرقي حينما يزور بلاد الغرب يتملكه العجب ازاء التطور الغربي العام، ويرجع الى نفسه مسائلا عن سبب تخلفه، وتطور الآخرين، حتى اصبح واقع الشرق واقع اللامبالاة إزاء مختلف الاكتشافات والاختراعات والابداعات على عظمة حجمها.
منذ زمن يحلم المسلم بالتطور، ولكنه عاجز عن ذلك، فلماذا؟
ويأتينا الجواب بكل بساطة ووضوح؛ وهو: أننا نريد شيئا ولا نحقق أسبابه، تماما كما الطالب في المدرسة يطمح الى النجاح في الامتحانات النهائية دون ان يكلف نفسه عناء البحث والمطالعة، وفهم وحفظ المعلومات التي درسها، فهو إذا استمر على هذا الواقع المرير لا يصاب بالفشل فحسب، بل من المتوقع جدا ان يطرد من المدرسة. وها نحن اليوم نطرد عن اوطاننا وتصادر ثرواتنا ونقمع عن التعبير...
صاحب الثروة الذي يريد ان يصبح تاجرا غنيا، ولكنه لا يجتهد ولا يخطط لاستثمار ثروته؛ هذا قد تراه في النهاية منكسرا منهزما، وقد تراه يبحث عن ملجأ يؤيه.
هناك الكثير من الناس يطمحون لأن يكونوا قيادات سياسية او زعماء اجتماعيين، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا، بداعي انهم لم يوفروا في انفسهم شروط القيادة والزعامة، ولم يعملوا ضمن منهجية دقيقة، فأصبحوا نزلاء السجون او ممتهني اللجوء الى بلاد اخرى.
وسائل النهضة وعواملها:
إذن؛ فللنهضة وسائلها وللطموح عوامله، من لم يأخذ بها سيبقى حيث هو، بل يتراجع الى ما دون نقطة الصفر التي كان فيها. ولعل من ابرز وسائل النهضة وأسباب التقدم، وجود القيادة الرشيدة والتفاعل معها والاستفادة منها .
وربنا سبحانه وتعالى حينما يحدثنا في آيات القرآن الكريم عن أية قضية من القضايا التاريخية والاجتماعية، فانه يربطها ربطا مباشرا بموضوع القيادة. ورسالة الانبياء التي تضمنتها المئات من الآيات الكريمة، إنما المحور فيها تقوى الله تبارك وتعالى وضرورة اطاعة الانبياء عليهم السلام. فكل نبي من الانبياء كان ياتي قومه ويقول لهم: { فاتقوا الله وأطيعون}. وبالامكان لكل من يريد متابعة هذا الموضوع، قراءة سور الانبياء والاعراف.
اما رسولنا الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ربنا تباركت اسماؤه يقول عنه في سورة النساء: { من يطع الرسول فقد أطاع الله}. بمعنى ان طاعة الله لا تقتصر على الصلاة والصيام والحج والزكاة فقط، بل إن طاعة الله بطاعة رسوله.
ثم يقول تعالى: {ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا}. بمعنى ان الرسول -القيادة- ليس مسؤولا عن إعراض الناس عنه، وذلك لان القيادة حينما توفر في نفسها عوامل الرشد، يكون من المفترض على الناس اتباعها وإطاعتها. وبمجرد وجود الشروط والمواصفات الشرعية اللازمة في القيادة، لن يكون من الصحيح ان يقول الانسان ان القيادة لم تبذل جهدا لكسبي او ضمي الى جانبها، فهذا خطأ اجتماعي خطير للغاية، باعتبار ان مسؤولية القيادة بالدرجة الاولى توفير عوامل الرشد في نفسها، ومن ثم توجيه الناس الملتفين حولها. وليس من مسؤوليتها ان تذهب نفسها حسرات على من لا يخطو الخطوة الاولى في طريق البحث، عمن يقوده ويأخذ بيده. فالناس من هذه الزاوية هم المسؤولون عن القيادة، وعن البحث عنها.
ابعاد التفاعل مع القيادة:
يقول سبحانه: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون...}
أما قضية الطاعة، فهي قضية لا تتحمل المراوغة أو التمني او الشهادة الظاهرية، وإنما حقيقة الطاعة التسليم الواعي والمطلق، والاخبات والعمل الدؤوب وتقديم النصح. فالرسول او القائد الشرعي يتعامل مع الظاهر، ولكن الله عز وجل بصير بالحقائق. وهو يثيب أو يعاقب على أساس الحقائق والنوايا والمنطلقات. ولذلك، فإن من يظهر مالا يبطن، ويبيت في قلبه سوى ما يقول بلسانه، ثم يكشف الله أمره بوجه من الوجوه، يكون حريا بأن يعرض الرسول او القائد -وهو حبل الله الممتد بين السماء والارض- عنه، كما يقول تبارك وتعالى: { فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } .
ثم تعطف الآيات الكريمة بالقول: { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا }
إن القرآن الكريم -في هذا المقطع- يؤكد بكل صراحة على ان الذي لا يتبع الخط الرسالي الإلهي، المتمثل في الرسول الاكرم وفي وصي الرسول وأمينه الشرعي، فإنه من الحتم سيكون تابعا للشيطان؛ الشيطان الذي لا يصدر عنه الخير ابدا، ولا يأخذ بيد ابن آدم إلا الى الاختلاف والضلال والضياع. فليس بين الحق والباطل مسافة، ولا يقل الإنسان انه يقف في الوسط حيث لا حق ولا باطل. فمجرد عدم اتباع الحق، يعني اتباع الباطل. والى ذلك يشير الامام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "من لم يتبع الحق أضله الباطل".
لقد كان الحسن البصري يتوضأ للصلاة في اليوم الذي تلى معركة الجمل، فرآه أمير المؤمنين عليه السلام مسرفا في الوضوء، فنصحه بسكب ماء قليل. فبادره الحسن البصري بالقول: يا علي! اذهب واجب ربك على الاسراف في دماء المسلمين بالأمس!! فأجابه الإمام عليه السلام جوابا يصلح لأن يكون جوابا لكل من يخادع نفسه ويبرر لها عدم الوقوف الى جانب الحق في كل زمان ومكان، قال له: يا هذا؛ لو لم أكن رجلا مؤمنا فلماذا لم تحاربني، وأراك جالسا في بيتك. ولماذا لم تخرج مع الذين حاربوني إن كانوا على الحق؟ ثم قرعه الامام بالقول: "أنت سامري هذه الامة" فكل امة. لها سامري والحسن البصري سامري المسلمين. فكل المذاهب الباطلة حينما نرجع الى اصلها نجد الحسن البصري في طليعة مؤسسيها؛ كالصوفية والمعتزلة والاشاعرة والمتكلمين بالباطل.. وذلك لأنه عاش زمنا طويلا، بدءا من زمان أمير المؤمنين الى زمان الامام الصادق عليه السلام. وكان فيه في آخريات أيامه ان عشق الرابعة العدوية وطلب اليها الزواج، ولكنها رفضته رفضا قاطعا... فلعلها كانت على علم بزندقته وأفكاره الضالة.
إن التفاوت في المواقف إزاء الحق لدى اختلاف الظروف، كالأمن والخوف والفرح والحزن والغنى والفقر وغيرها.. انما هو تابع -كما هو واضح- الى عدم الاعتراف بالقيادة من جهة، والى وجود الازدواجية في الشخصية.
ومن المؤكد على من يريد اتباع القائد الرشيد معرفة ان هذا القائد له درجة من العلم، ما تؤهله الى استنباط احكام القرآن والاسلام من أعماقه. وان علمه هذا ليس وليد اهواء او محصلة ساعات قلائل من التفكير، بل عليه التيقن بأن العالم والمرجع والقائد إنما حصل على ما حصل عليه بعد سنين طوال من الجد والاجتهاد والتعمق؛ فضلا عما حصل عليه من نور رباني يهديه الى الصواب ويجنبه الخطأ. وهذا النور يؤتيه الله من يشاء من عباده، بعد ان يثبت جدارته وتفوقه واصراره على خدمة الدين والعلم والعباد. ولولا تأييد الله تبارك وتعالى، ما استطاع هذا العالم كتابة سطر واحد من فتاواه.
وفي مقابل كل ذلك؛ لا يكون من المنطقي ابدا ان يأتي احدهم بآراء وفتاوي من عنده كشخص، او ينسبها الى العقل، وذلك بعد ان كان قد اعلن عمليا او شفهيا عدم اعترافه بالقائد.
وليس الامر بغريب؛ إذ المنطق والتجربة يحكمان بأن لكل تخصصه، ولكل شرعيته. فاذا كان الانسان العادي غير مؤهل لإصدار آراء طبية او هندسية، فكيف يكون لمن اتبع الباطل - بعد ان ترك تعاليم السماء وراء ظهره- ان يصدر آراء واحكام ويدعو الناس الى التزامها؟
وجذوة القول: ان احد اهم اسباب نهضة الامة الاسلامية الالتفاف حول القيادة الرشيدة. وهذا الالتفاف والتمحور المطلوب يكون بعده طرق واشكال، منها: ان تكون الاستجابة واعية منطلقة من ايمان المرء بقائده الرشيد. فالحر تكفيه الاشارة، والعبد لا يمشي الا والعصى معه. فمن يتحرك بالقوة او الرغبة المصلحية لا يعد إنسانا عاقلا او ناضجا، بل الناضج من يختار طريقه وينتخب منهجه بوعي وارادة واستقلال وايمان. وينقل ان احدهم كان يصلي في مسجد الكوفة صلاة سريعة للغاية، مما لفت نظر أمير المؤمنين عليه السلام إليه. فألقى الامام نعله اليه لينبهه، ففتح الرجل عينيه فرآى الامام علي فخاف وارتج. فقال له أمير المؤمنين: "نقر كنقر الغراب"... قم وصلي المطلوبة. فقام الرجل فصلى صلاة اهتم بالإطالة فيها كثيرا، ولما انتهى منها سأله الامام عن الافضل من الصلاتين. فأجاب الامام: إن الصلاة الاولى كانت افضل، لأنها -رغم رداءة أدائها- كانت لله. واما الثانية فكانت خوفا منك. فنصحه الامام عليه السلام بالالتزام بالتأني في اداء الصلاة والتوجه الى معانيها، والاخلاص في إقامتها فيما بعد. وهذا يجب ان يتبع الناس قيادتهم الرشيدة؛ عن وعي واستجابة واندفاع ذاتي واخلاص.
وقضية اخرى لابد من تسليط الضوء عليها أكثر من ذي قبل، وهي: أي قيادة يجب اتباعها؟ وهل ان القائد ذا القسوة او المال احق ان يتبع؟ أم ذاك القائد الذي توافرت في شخصيته شرائط القرآن والسنة المطهرة؟
والجواب عن هذه التساؤلات لايبدو مستعصيا ابدا. فالقيادة الرشيدة التي تحمل الناس الى الحق والخير هي التي يجب ان تتبع. فليس بمشترط ان تكون القيادة ملائكة هابطة من السماء، أو ان تأتي حاملة عصا الارهاب او كنوز الارض. بل القيادات تعبير مباشر عن واقع المجتمع، والمجتمع مسؤول عن رفد قيادته بعوامل القوة... بكل اشكالها.
هناك الكثير من الناس يطمحون لأن يكونوا قيادات سياسية او زعماء اجتماعيين، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا، بداعي انهم لم يوفروا في انفسهم شروط القيادة والزعامة، ولم يعملوا ضمن منهجية دقيقة، فأصبحوا نزلاء السجون او ممتهني اللجوء الى بلاد اخرى. وسائل ...
{من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا * ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } (النساء/80-83)
كل فرد من افراد بني آدم يتطلع الى المجد، والى ان يصبح إنسانا عظيما. وكل تجمع يبحث عن المجد، ليكون تجمعا مرموقا.[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
ولكن ليس كل الافراد أو جميع المجتمعات يحققون ما يهدفون، فالأغلب من الناس كافراد ومجتمعات يصطدمون بمشاكل وازمات وعقبات تعيقهم عن الوصول الى غاياتهم المنشودة وبالتالي تدفعهم الى نسيانها في خضم حالة الانهيار، التي قد يقعون فيها ولذلك نشاهد الكثير من الناس كافراد وتجمعات يعيشون متخلفين، عوضا عن ان يكونوا متقدمين.
طبيعة السنن الكونية:
والعلة الكبرى في هذا التفاوت المشهود، ان الله سبحانه وتعالى وضع سننا كونية عامة في خلقه وفيما حولهم؛ من استطاع استثمارها يبلغ المجد، ومن تعطل دونها يبقى حيث هو، بل قد يتراجع ويتخلف حتى عن النقطة التي بدأ منها.
وسنن الله عز وجل في خلقه بشكل عام هي عوامل النهضة لكل فرد وامة، وهي أسباب التقدم والرقي. ومن عرفها والتزم بها تقدم وتطور، والعكس بالعكس.
وبين هذا وذاك، تكشف لنا التجربة التأريخية لشعوبنا المسلمة، ان هذه الشعوب -مع الأسف البالغ- تعيش منذ امد طويل الاحلام والاماني في مقابل ما تطمح الى تحقيقه. بل لقد تعدى الامر بها الى ان اصبحت احلامها تافهة بليدة، تبعا لما اوقعت بنفسها في ازمات معقدة، ووضعت امامها عقبات قد يستحيل تجاوزها خلال الفترة المنظورة على اقل تقدير.
منذ ما يزيد على مائة عام صدع السيد جمال الدين الاسد آبادي (الافغاني) اذهان المسلمين بكلمته الرائعة: لماذا الشرق متخلف؟
وقبل حوالي خمسين عاما كتب الامير ارسلان كتابه المعروف " لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم" وغير هذين العلمين هناك العشرات من الرواد المصلحين الذين تقدموهم او تأخروا عنهم، كانت ولا تزال لهم نداءاتهم وأطروحاتهم النهضوية والاصلاحية. الا ان الواقع لا يزال هو هو... فمنذ قرون كان الناس في بلدان الشرق تبحث عن التطور، وكان الانسان المشرقي حينما يزور بلاد الغرب يتملكه العجب ازاء التطور الغربي العام، ويرجع الى نفسه مسائلا عن سبب تخلفه، وتطور الآخرين، حتى اصبح واقع الشرق واقع اللامبالاة إزاء مختلف الاكتشافات والاختراعات والابداعات على عظمة حجمها.
منذ زمن يحلم المسلم بالتطور، ولكنه عاجز عن ذلك، فلماذا؟
ويأتينا الجواب بكل بساطة ووضوح؛ وهو: أننا نريد شيئا ولا نحقق أسبابه، تماما كما الطالب في المدرسة يطمح الى النجاح في الامتحانات النهائية دون ان يكلف نفسه عناء البحث والمطالعة، وفهم وحفظ المعلومات التي درسها، فهو إذا استمر على هذا الواقع المرير لا يصاب بالفشل فحسب، بل من المتوقع جدا ان يطرد من المدرسة. وها نحن اليوم نطرد عن اوطاننا وتصادر ثرواتنا ونقمع عن التعبير...
صاحب الثروة الذي يريد ان يصبح تاجرا غنيا، ولكنه لا يجتهد ولا يخطط لاستثمار ثروته؛ هذا قد تراه في النهاية منكسرا منهزما، وقد تراه يبحث عن ملجأ يؤيه.
هناك الكثير من الناس يطمحون لأن يكونوا قيادات سياسية او زعماء اجتماعيين، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا، بداعي انهم لم يوفروا في انفسهم شروط القيادة والزعامة، ولم يعملوا ضمن منهجية دقيقة، فأصبحوا نزلاء السجون او ممتهني اللجوء الى بلاد اخرى.
وسائل النهضة وعواملها:
إذن؛ فللنهضة وسائلها وللطموح عوامله، من لم يأخذ بها سيبقى حيث هو، بل يتراجع الى ما دون نقطة الصفر التي كان فيها. ولعل من ابرز وسائل النهضة وأسباب التقدم، وجود القيادة الرشيدة والتفاعل معها والاستفادة منها .
وربنا سبحانه وتعالى حينما يحدثنا في آيات القرآن الكريم عن أية قضية من القضايا التاريخية والاجتماعية، فانه يربطها ربطا مباشرا بموضوع القيادة. ورسالة الانبياء التي تضمنتها المئات من الآيات الكريمة، إنما المحور فيها تقوى الله تبارك وتعالى وضرورة اطاعة الانبياء عليهم السلام. فكل نبي من الانبياء كان ياتي قومه ويقول لهم: { فاتقوا الله وأطيعون}. وبالامكان لكل من يريد متابعة هذا الموضوع، قراءة سور الانبياء والاعراف.
اما رسولنا الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ربنا تباركت اسماؤه يقول عنه في سورة النساء: { من يطع الرسول فقد أطاع الله}. بمعنى ان طاعة الله لا تقتصر على الصلاة والصيام والحج والزكاة فقط، بل إن طاعة الله بطاعة رسوله.
ثم يقول تعالى: {ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا}. بمعنى ان الرسول -القيادة- ليس مسؤولا عن إعراض الناس عنه، وذلك لان القيادة حينما توفر في نفسها عوامل الرشد، يكون من المفترض على الناس اتباعها وإطاعتها. وبمجرد وجود الشروط والمواصفات الشرعية اللازمة في القيادة، لن يكون من الصحيح ان يقول الانسان ان القيادة لم تبذل جهدا لكسبي او ضمي الى جانبها، فهذا خطأ اجتماعي خطير للغاية، باعتبار ان مسؤولية القيادة بالدرجة الاولى توفير عوامل الرشد في نفسها، ومن ثم توجيه الناس الملتفين حولها. وليس من مسؤوليتها ان تذهب نفسها حسرات على من لا يخطو الخطوة الاولى في طريق البحث، عمن يقوده ويأخذ بيده. فالناس من هذه الزاوية هم المسؤولون عن القيادة، وعن البحث عنها.
ابعاد التفاعل مع القيادة:
يقول سبحانه: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون...}
أما قضية الطاعة، فهي قضية لا تتحمل المراوغة أو التمني او الشهادة الظاهرية، وإنما حقيقة الطاعة التسليم الواعي والمطلق، والاخبات والعمل الدؤوب وتقديم النصح. فالرسول او القائد الشرعي يتعامل مع الظاهر، ولكن الله عز وجل بصير بالحقائق. وهو يثيب أو يعاقب على أساس الحقائق والنوايا والمنطلقات. ولذلك، فإن من يظهر مالا يبطن، ويبيت في قلبه سوى ما يقول بلسانه، ثم يكشف الله أمره بوجه من الوجوه، يكون حريا بأن يعرض الرسول او القائد -وهو حبل الله الممتد بين السماء والارض- عنه، كما يقول تبارك وتعالى: { فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } .
ثم تعطف الآيات الكريمة بالقول: { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا }
إن القرآن الكريم -في هذا المقطع- يؤكد بكل صراحة على ان الذي لا يتبع الخط الرسالي الإلهي، المتمثل في الرسول الاكرم وفي وصي الرسول وأمينه الشرعي، فإنه من الحتم سيكون تابعا للشيطان؛ الشيطان الذي لا يصدر عنه الخير ابدا، ولا يأخذ بيد ابن آدم إلا الى الاختلاف والضلال والضياع. فليس بين الحق والباطل مسافة، ولا يقل الإنسان انه يقف في الوسط حيث لا حق ولا باطل. فمجرد عدم اتباع الحق، يعني اتباع الباطل. والى ذلك يشير الامام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "من لم يتبع الحق أضله الباطل".
لقد كان الحسن البصري يتوضأ للصلاة في اليوم الذي تلى معركة الجمل، فرآه أمير المؤمنين عليه السلام مسرفا في الوضوء، فنصحه بسكب ماء قليل. فبادره الحسن البصري بالقول: يا علي! اذهب واجب ربك على الاسراف في دماء المسلمين بالأمس!! فأجابه الإمام عليه السلام جوابا يصلح لأن يكون جوابا لكل من يخادع نفسه ويبرر لها عدم الوقوف الى جانب الحق في كل زمان ومكان، قال له: يا هذا؛ لو لم أكن رجلا مؤمنا فلماذا لم تحاربني، وأراك جالسا في بيتك. ولماذا لم تخرج مع الذين حاربوني إن كانوا على الحق؟ ثم قرعه الامام بالقول: "أنت سامري هذه الامة" فكل امة. لها سامري والحسن البصري سامري المسلمين. فكل المذاهب الباطلة حينما نرجع الى اصلها نجد الحسن البصري في طليعة مؤسسيها؛ كالصوفية والمعتزلة والاشاعرة والمتكلمين بالباطل.. وذلك لأنه عاش زمنا طويلا، بدءا من زمان أمير المؤمنين الى زمان الامام الصادق عليه السلام. وكان فيه في آخريات أيامه ان عشق الرابعة العدوية وطلب اليها الزواج، ولكنها رفضته رفضا قاطعا... فلعلها كانت على علم بزندقته وأفكاره الضالة.
إن التفاوت في المواقف إزاء الحق لدى اختلاف الظروف، كالأمن والخوف والفرح والحزن والغنى والفقر وغيرها.. انما هو تابع -كما هو واضح- الى عدم الاعتراف بالقيادة من جهة، والى وجود الازدواجية في الشخصية.
ومن المؤكد على من يريد اتباع القائد الرشيد معرفة ان هذا القائد له درجة من العلم، ما تؤهله الى استنباط احكام القرآن والاسلام من أعماقه. وان علمه هذا ليس وليد اهواء او محصلة ساعات قلائل من التفكير، بل عليه التيقن بأن العالم والمرجع والقائد إنما حصل على ما حصل عليه بعد سنين طوال من الجد والاجتهاد والتعمق؛ فضلا عما حصل عليه من نور رباني يهديه الى الصواب ويجنبه الخطأ. وهذا النور يؤتيه الله من يشاء من عباده، بعد ان يثبت جدارته وتفوقه واصراره على خدمة الدين والعلم والعباد. ولولا تأييد الله تبارك وتعالى، ما استطاع هذا العالم كتابة سطر واحد من فتاواه.
وفي مقابل كل ذلك؛ لا يكون من المنطقي ابدا ان يأتي احدهم بآراء وفتاوي من عنده كشخص، او ينسبها الى العقل، وذلك بعد ان كان قد اعلن عمليا او شفهيا عدم اعترافه بالقائد.
وليس الامر بغريب؛ إذ المنطق والتجربة يحكمان بأن لكل تخصصه، ولكل شرعيته. فاذا كان الانسان العادي غير مؤهل لإصدار آراء طبية او هندسية، فكيف يكون لمن اتبع الباطل - بعد ان ترك تعاليم السماء وراء ظهره- ان يصدر آراء واحكام ويدعو الناس الى التزامها؟
وجذوة القول: ان احد اهم اسباب نهضة الامة الاسلامية الالتفاف حول القيادة الرشيدة. وهذا الالتفاف والتمحور المطلوب يكون بعده طرق واشكال، منها: ان تكون الاستجابة واعية منطلقة من ايمان المرء بقائده الرشيد. فالحر تكفيه الاشارة، والعبد لا يمشي الا والعصى معه. فمن يتحرك بالقوة او الرغبة المصلحية لا يعد إنسانا عاقلا او ناضجا، بل الناضج من يختار طريقه وينتخب منهجه بوعي وارادة واستقلال وايمان. وينقل ان احدهم كان يصلي في مسجد الكوفة صلاة سريعة للغاية، مما لفت نظر أمير المؤمنين عليه السلام إليه. فألقى الامام نعله اليه لينبهه، ففتح الرجل عينيه فرآى الامام علي فخاف وارتج. فقال له أمير المؤمنين: "نقر كنقر الغراب"... قم وصلي المطلوبة. فقام الرجل فصلى صلاة اهتم بالإطالة فيها كثيرا، ولما انتهى منها سأله الامام عن الافضل من الصلاتين. فأجاب الامام: إن الصلاة الاولى كانت افضل، لأنها -رغم رداءة أدائها- كانت لله. واما الثانية فكانت خوفا منك. فنصحه الامام عليه السلام بالالتزام بالتأني في اداء الصلاة والتوجه الى معانيها، والاخلاص في إقامتها فيما بعد. وهذا يجب ان يتبع الناس قيادتهم الرشيدة؛ عن وعي واستجابة واندفاع ذاتي واخلاص.
وقضية اخرى لابد من تسليط الضوء عليها أكثر من ذي قبل، وهي: أي قيادة يجب اتباعها؟ وهل ان القائد ذا القسوة او المال احق ان يتبع؟ أم ذاك القائد الذي توافرت في شخصيته شرائط القرآن والسنة المطهرة؟
والجواب عن هذه التساؤلات لايبدو مستعصيا ابدا. فالقيادة الرشيدة التي تحمل الناس الى الحق والخير هي التي يجب ان تتبع. فليس بمشترط ان تكون القيادة ملائكة هابطة من السماء، أو ان تأتي حاملة عصا الارهاب او كنوز الارض. بل القيادات تعبير مباشر عن واقع المجتمع، والمجتمع مسؤول عن رفد قيادته بعوامل القوة... بكل اشكالها.