الصقر الجارح
19-Jun-2004, 12:39
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ثم عليك ان تطمح لأن تكون الرجل الذي يتميز عن غيره جودة وأصالة وفعلا. فإن شئت ان تكون مهندسا، فلتكن أفضل المهندسين. وان شئت ان تكون مؤلفا، فلتكن أفضل المؤلفين. وان شئت ان تكون تاجرا، فلتكن أورع التجار وأغناهم.. كل ذلك لا بأس به، لأن الطموح...
(شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعكم تشكرون* واذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [سورة البقرة 185ـ 186]
ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك، شهر الله وشهر أمة رسول الله صلى الله عليه وآله، نستقبل مائدة السماء وضيافة الرحمن سبحانه وتعالى.
وفي هذا الشهر الكريم لابد لكل إنسان مسلم ان يغتنم هذه الفرصة النورانية والذهبية الكبيرة التي قد لا تتكرر في حياته، كما يتوجب عليه ان يبحث كثيرا وان يفكر مليا ليتقن اغتنام هذه الفرصة. وانتهازها حتى لا تتحول إلى غصة.
كل منا يدخل شهر رمضان، وكل منا يخرج منه.. الا ان البعض منا حينما يدخل هذا الشهر الفضيل، يدخله بعزم شديد ليستفيد منه الفائدة العظمى، فيمن عليه الله تبارك وتعالى فعلا بالرحمة والنعمة والبصيرة والإيمان. بينما ترى البعض الآخر يدخله ثم يخرج منه كما دخله متخما بالذنوب محطما بالعيوب محجوبا بالأهواء والوساوس الشيطانية مع بالغ الأسف..
فالذي يهدف انتهاز فرصة سانحة له، عليه ان يفكر سلفا في كيفية الاستفادة منها، لأن فكر الإنسان مرآة صافية، او هكذا ينبغي ان يكون، حيث يهديه إلى الرشاد ويوصله إلى المبتنى..
فنحن ندخل في ضيافة الله سبحانه وتعالى وفي رحاب رحمته، وندخل في هذا الشهر الذي بشر رسول الله صلى الله عليه وآله أمته به وقال ان الشياطين تغل في أيامه، وان أجر الحسنات فيه يتضاعف، وأن السيئات تغفر، وان قراءة آية واحدة من كتاب الله فيه تعدل ختمة القرآن بأكمله في سائر الشهور، وما إلى ما هنالك من فضائل أخرى لهذا الشهر العظيم، ولعل أبرزها وجود ليلة القدر المباركة التي يفوق خيرها خير الحياة برمتها، أي لو ان إنسانا ما عاش أكثر من ثمانين عاما متعبدا زاهدا في سبيل الله دون ليلة القدر، أو أنه عاش ليلة واحدة، وهي ليلة القدر في عبادة وطاعة وإيمان وتوبة، لكانت هذه الليلة أفضل من عبادة تلك السنين الثمانين من عمره..
فإذا كان الإنسان مهتما بكيفية الاستفادة من شهر رمضان الكريم فإنه سيتمكن لا محالة من اغتنام فرصته التي لا يعدلها ثمن.. أما لو لم يفكر او يخطط لحياته في هذا الشهر، فإنه ستتحول لديه هذه الفرصة إلى نقمة وغصة في حياته، والعياذ بالله..
وهنا بالذات أرجو ان يوفقني الله تباركت أسماؤه إلى تقديم بعض التوصيات التي أراها ذات فوائد جمة إلى مختلف فئات الأمة الإسلامية، وإلى الأخوة المؤمنين في كل مكان، والتوصيات هي:
التوصية الأولى للأشبال الذين تستقبلهم الحياة وتتبسم في وجوههم.
فأنتم أيها الأشبال الأمل الواعد لهذه الأمة، وأمامكم فرصة شهر رمضان الكريم، عليكم ان تزرعوا في نفوسكم النية الطيبة، لأن النية الطيبة كالحبة المباركة التي تزرع في الأرض فإذا بها تخرج سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، والله سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، اي ان هذه المئة الرشيدة الطيبة التي تزرعها في نفسك أيها الشبل الذي تستقبلك الحياة ستتحول إلى دوحة باسقة وارفة الظلال كثيرة الثمار.. وقد قال نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله: (نية المرء خير من عمله) و: (إنما الأعمال بالنيات) و: (لكل امرئ ما نوى).
ولتعلم أيها الشاب المسلم اليافع أنك اذا نويت ان تكون رجلا مؤمنا طيبا وصممت على ذلك، فإن الله تبارك وتعالى سيعينك على تحقيق ذلك بأمر ملائكته الموكلين بالأرض والزمان، بل وجميع الملائكة لأن يساعدوك في الوصول إلى هدفك. وقد وقلت سابقا وأكرر بأن الذي يبني فإنما يبني الحياة كلها، وان الذي يهدم فإنما يهدم نفسه فقط، ولذلك كان البناة هم السعداء وهم القادة الحقيقيين للحياة، لا الذين يهدمون، نظرا إلى ان مسيرة الحياة هي الإصلاح لا الهدم، وقد قال عزوجل: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).
ولعل أهم امر ينبغي للإنسان الشاب الذي تستقبله الحياة ان يتوجه اليه هو التطلع الروحي وان يسعى ليكون فردا مهذبا كاملا ذا خلق رفيع، وان يبذل قصارى جهده في الاقتداء بأخلاق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. اذ ان من الممكن ان تصبح كأبي ذر او سلمان المحمدي او عمار بن ياسر او المقداد، هؤلاء المؤمنين الصالحين من أصحاب أهل البيت.. بل ويمكنك ان تكون جنديا من جنود الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه.. فما عليك الا ان تنوي وتصمم وتتطلع.. وهذه النية وهذا التطلع هو الذي ينهض بك كما تنهض الطيور بأجنحتها..
ثم عليك ان تطمح لأن تكون الرجل الذي يتميز عن غيره جودة وأصالة وفعلا. فإن شئت ان تكون مهندسا، فلتكن أفضل المهندسين. وان شئت ان تكون مؤلفا، فلتكن أفضل المؤلفين. وان شئت ان تكون تاجرا، فلتكن أورع التجار وأغناهم.. كل ذلك لا بأس به، لأن الطموح الحياتي أمر لابد ان يكون نصب عيني الشبل المؤمن.. اذ الحياة واسعة رحابها، وبإمكانك ان تتطلع إليه، والله سبحانه وتعالى يمد هؤلاء وهؤلاء من عطائه. فمن أراد الدنيا أعطاه الله منها، ومن أراد الآخرة أعطاه الله منها، ومن أراد الدنيا والآخرة أعطاه الله منهما. ومن الناس من يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ومثل هذا الطموح وذلك التطلع ينبغي ان يركبا على قطار يقوم على دعامتين أساسيتنيين.
الأولى: الحماس، فأنت في مطلع عمرك لابد ان تتمتع بالحماس اللازم والعزم الأكيد والحيوية الجياشة.
الثانية: الحكمة والتعقل والاستفادة من التجارب.
فلا تقض حياتك باللهو واللعب، اذ ليس للعب خلقت، ولا للهوى أُنشئت، بل لقد خلقك الله من اجل هدف هو أفضل وأعظم، فلماذا لا تريد ان تكون رجلا مميزا؟ ولماذا تحب لنفسك الشيء البسيط فتقنع بالقليل.
أما وصيتي للشباب، فهي القول بأنكم أيضا لديكم الفرصة في شهر رمضان المبارك لكي تصلحوا أنفسكم، وان تكرسوا العقائد الحقة في أدمغتكم وقلوبكم لتكونوا قد وصلتم إلى شاطئ الأمان وساحل الاستقرار الروحي.
فأنتم أيها الشباب ذكورا وإناثا، في معرض خطر الدنيا المفترسة الآن.. فكل الأجهزة الطاغية تحاول سلب إيمانكم وعقيدتكم بالله سبحانه وتعالى، فهي تسعى بكل جهدها لأن تحرفكم عن الصواب بإتجاه التشكيك بعقائدكم ومما خلقتم من أجله. فكان الأمر الأهم بالنسبة لكم ان تستفيدوا من فرصة شهر رمضان، فتكرسوا عقائدكم، حتى يكون إيمانكم بالله قويا وبنبيكم صادقا، وبالتالي ان تتمكنوا من توفير المعرفة الحقة لأنفسكم بالله وبالنبي والأئمة وبسائر التعاليم الإلهية..
وأقول ذلك، لأنك ـ أيها الشاب ـ قد تجهل أية فتنة تتربص بك، وأية غائلة تترصدك، وأي امتحان عظيم ينتظر مستقبلك؟
فالمستقبل مجهول رغم ان كل إنسان يفكر فيه، وان أدق وأفضل المخططين يعجزون عن التنبؤ بما سيحدث غدا، وقد قال عز اسمه: (ما تدري نفس ماذا تكسب غدا) و: (لا تعلم نفس بأي أرض تموت) فكيف يمكن لإنسان ان يعرف مستقبله كله وحياته كلها؟!
إنكما ـ أيها الشاب والشابة ـ أمام مشاكل كبيرة وكثيرة، فعليكما ان تهيئا أنفسكم وتتسلحا بالإيمان والعقائد الصحيحة والسليمة، وليس أفضل زمنا للتسلح من شهر رمضان، حيث تواظبا على الحضور في مجالس العلم والقرآن والدعاء. فعليكما ان تدخلا المساجد بروحية لتخرجا أشد علما وإيمانا. هذه هي الوصية الأولى لكل الشباب المسلم.
أما وصيتي الثانية، فهي ضرورة الاهتمام بأصل الاندماج بالحياة المحيطة، اذ ان من الوسائل الفعالة والمقيتة التي تستخدمها أجهزة الكفر في العالم هي تمزيق الناس وتفريقهم عن بعضهم البعض وتحويلهم إلى رذاذ لا تأثير له، وأعني بالتمزيق، تمزيق كيان الأسرة وصرح الإخوة والصداقة والعلاقات الاجتماعية الطيبة عموما.
والوصية الثالثة للشباب، هي نشدان النجاح والفلاح، اي ضرورة ان يقرر كل شاب مسلم ويعقد العزم على ان يكون إنسانا ناجحا في حياته ومفلحا في مصيره، فلا يسمح لنفسه بالهزيمة أمام المشاكل والعقبات التي تعترض طريقه، ونشدان النجاح والفلاح هذا يمكن توفيره من آفاق شهر رمضان المبارك، لأنه الشهر الذي يزود الفرد بالعزم الشديد والإرادة الفولاذية والمقاومة الدائمة.
وأما وصيتي لعامة الناس، فهي قولي لهم. بأنكم اذ تردون على مائدة الله تبارك وتعالى في هذا الشهر الفضيل عليكم ان تقوموا بانتفاضة واحدة عارمة ضد الذات، لأن كل إنسان تتراكم عليه الأخطاء ونقاط الضعف حتى تتحول إلى عقد متأصلة يصعب عليه تجاوزها بيسر.
فقد تكون مشكلة الإنسان انه يتصور كون نقاط الضعف فيه أمرا ذاتيا، فيتخيل الغيبة والنميمة والكذب والأنانية جزءا من ذاته، وأن سلوكه حتى وان كان خاطئا فإنه لا يمكنه التخلص منه.. ولكن الأمر المؤكد هو ان هذا المذهب مذهب شيطاني، فإن الله قد خلق الإنسان بريئا من الصفات السلبية، وهو القائل: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).
ان المشكلة الكبرى تكمن ـ إذن ـ في محاسبة الذات ومحاكمتها في محكمة الوجدان الداخلية، ولذلك صار الاستغفار من أعظم العبادات، فإن يستغفر العبد ربه يعني انه يعيد النظر في نفسه ويكبح جماحها لئلا يرتكب ما هو أفدح وأخطر، فهو ـ على هذا الأساس ـ يقوم بثورة ضد ذاته وينتفض على جمودها ويأسها من روح الله.
فأنتم الذين تمرون في وسط العمر أمامكم فرصة أخرى في الحياة، فتعالوا إلى الاستفادة منها دون سوء في الظن، ودون حميات وعصبيات وعقد، وتعاملوا مع الحياة معاملة حسنة، وبدون كفران لنعمة..
ففي شهر رمضان المبارك ساعات نورانية تتجلي روح الإنسان فتصير خارج إطار ركام الأساطير واليأس والممارسات السلبية السابقة، وهذه الساعات من شأنها مساعدته على الانتفاض ضد ذاته، وذلك بما ينعم الله عليه من قوة وشجاعة وإيمان وتطلع. فلكم ان تصوغوا أنفسكم صياغة طيبة جديدة في ليلة القدر وليلة عيد الفطر، لأنهما ليلتان مباركتان تبعثان على الحيوية.
ان معنى التوبة الحقيقية هي هدم السلبيات السابقة والعزم على القيام بعملية بناء جديد، تماما كمن كان يملك بيتا مهدم الأطراف قديم البنيان، فيعزم على هدمه واكتساحه ليخلق عمارة جديدة زاهية منه. فإذا كان البيت ـ مهما اختلف شكله ـ لا يصاحب الإنسان في قبره وآخرته، فإن العمل هو الوحيد الذي يصطحبه الإنسان في قبره وقيامته، فما أجمل به ان يصطحب عمل الخير.
ان البعض من الناس حينما يصلون سن الأربعين يقولون: لقد انتهت فرصة التقدم، فيصابون باليأس والخمول والقنوط، ولكن العكس هو الصحيح، اذ ان العمل يكتمل في هذه المرحلة من العمر ويبدأ النشاط من جديد، ولعل كثيرا من الأنبياء قد بعثوا في الأربعين من عمرهم، ومنهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.. فلماذا اليأس، ولماذا القنوط ولماذا التراجع.
ووصيتي لكبار السن الذين تقدم بهم العمر وجللهم الشيب وانحنيت ظهورهم.. تكمن في كلمتين:
الأولى: الا يسمحوا للمرض والوهن والشيب ان يغزوهم، بل عليهم هم ان يغزوا هذه المظاهر، فهم أكبر من الشيب والمرض والعجز.. فالمرض لا يقتل الإنسان بقدر ما يقتله الاستسلام له. نعم ان الموت حق، ولكن ابن آدم لا يموت الا مرة واحدة، والقانط والآيس يموت كل يوم مرات ومرات!!
الثانية: ان تستعدوا استعدادا إيمانيا للرحيل، وان تكتبوا وصاياكم، وهذا لا يتنافى مع الحياة أبدا، فالذي يستعد للموت يعيش العيشة الراضية في حياته، فإن كانت عليكم ديون للناس فحاولوا ان تؤدوها، وان كانت عليكم ديون لله، فهي أحق ان تقضى.
أما وصيتي لإخواني العلماء والخطباء، فهي ضرورة تأكيدهم من على منابرهم ومجالسهم بهذه الوصايا، بالإضافة إلى أهمية تركيزهم على المسائل والقضايا التي يحتاجها الناس، كمعالجة العقد الاجتماعية والأمراض الروحية.
ثم عليك ان تطمح لأن تكون الرجل الذي يتميز عن غيره جودة وأصالة وفعلا. فإن شئت ان تكون مهندسا، فلتكن أفضل المهندسين. وان شئت ان تكون مؤلفا، فلتكن أفضل المؤلفين. وان شئت ان تكون تاجرا، فلتكن أورع التجار وأغناهم.. كل ذلك لا بأس به، لأن الطموح...
(شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعكم تشكرون* واذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [سورة البقرة 185ـ 186]
ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك، شهر الله وشهر أمة رسول الله صلى الله عليه وآله، نستقبل مائدة السماء وضيافة الرحمن سبحانه وتعالى.
وفي هذا الشهر الكريم لابد لكل إنسان مسلم ان يغتنم هذه الفرصة النورانية والذهبية الكبيرة التي قد لا تتكرر في حياته، كما يتوجب عليه ان يبحث كثيرا وان يفكر مليا ليتقن اغتنام هذه الفرصة. وانتهازها حتى لا تتحول إلى غصة.
كل منا يدخل شهر رمضان، وكل منا يخرج منه.. الا ان البعض منا حينما يدخل هذا الشهر الفضيل، يدخله بعزم شديد ليستفيد منه الفائدة العظمى، فيمن عليه الله تبارك وتعالى فعلا بالرحمة والنعمة والبصيرة والإيمان. بينما ترى البعض الآخر يدخله ثم يخرج منه كما دخله متخما بالذنوب محطما بالعيوب محجوبا بالأهواء والوساوس الشيطانية مع بالغ الأسف..
فالذي يهدف انتهاز فرصة سانحة له، عليه ان يفكر سلفا في كيفية الاستفادة منها، لأن فكر الإنسان مرآة صافية، او هكذا ينبغي ان يكون، حيث يهديه إلى الرشاد ويوصله إلى المبتنى..
فنحن ندخل في ضيافة الله سبحانه وتعالى وفي رحاب رحمته، وندخل في هذا الشهر الذي بشر رسول الله صلى الله عليه وآله أمته به وقال ان الشياطين تغل في أيامه، وان أجر الحسنات فيه يتضاعف، وأن السيئات تغفر، وان قراءة آية واحدة من كتاب الله فيه تعدل ختمة القرآن بأكمله في سائر الشهور، وما إلى ما هنالك من فضائل أخرى لهذا الشهر العظيم، ولعل أبرزها وجود ليلة القدر المباركة التي يفوق خيرها خير الحياة برمتها، أي لو ان إنسانا ما عاش أكثر من ثمانين عاما متعبدا زاهدا في سبيل الله دون ليلة القدر، أو أنه عاش ليلة واحدة، وهي ليلة القدر في عبادة وطاعة وإيمان وتوبة، لكانت هذه الليلة أفضل من عبادة تلك السنين الثمانين من عمره..
فإذا كان الإنسان مهتما بكيفية الاستفادة من شهر رمضان الكريم فإنه سيتمكن لا محالة من اغتنام فرصته التي لا يعدلها ثمن.. أما لو لم يفكر او يخطط لحياته في هذا الشهر، فإنه ستتحول لديه هذه الفرصة إلى نقمة وغصة في حياته، والعياذ بالله..
وهنا بالذات أرجو ان يوفقني الله تباركت أسماؤه إلى تقديم بعض التوصيات التي أراها ذات فوائد جمة إلى مختلف فئات الأمة الإسلامية، وإلى الأخوة المؤمنين في كل مكان، والتوصيات هي:
التوصية الأولى للأشبال الذين تستقبلهم الحياة وتتبسم في وجوههم.
فأنتم أيها الأشبال الأمل الواعد لهذه الأمة، وأمامكم فرصة شهر رمضان الكريم، عليكم ان تزرعوا في نفوسكم النية الطيبة، لأن النية الطيبة كالحبة المباركة التي تزرع في الأرض فإذا بها تخرج سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، والله سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، اي ان هذه المئة الرشيدة الطيبة التي تزرعها في نفسك أيها الشبل الذي تستقبلك الحياة ستتحول إلى دوحة باسقة وارفة الظلال كثيرة الثمار.. وقد قال نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله: (نية المرء خير من عمله) و: (إنما الأعمال بالنيات) و: (لكل امرئ ما نوى).
ولتعلم أيها الشاب المسلم اليافع أنك اذا نويت ان تكون رجلا مؤمنا طيبا وصممت على ذلك، فإن الله تبارك وتعالى سيعينك على تحقيق ذلك بأمر ملائكته الموكلين بالأرض والزمان، بل وجميع الملائكة لأن يساعدوك في الوصول إلى هدفك. وقد وقلت سابقا وأكرر بأن الذي يبني فإنما يبني الحياة كلها، وان الذي يهدم فإنما يهدم نفسه فقط، ولذلك كان البناة هم السعداء وهم القادة الحقيقيين للحياة، لا الذين يهدمون، نظرا إلى ان مسيرة الحياة هي الإصلاح لا الهدم، وقد قال عزوجل: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).
ولعل أهم امر ينبغي للإنسان الشاب الذي تستقبله الحياة ان يتوجه اليه هو التطلع الروحي وان يسعى ليكون فردا مهذبا كاملا ذا خلق رفيع، وان يبذل قصارى جهده في الاقتداء بأخلاق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. اذ ان من الممكن ان تصبح كأبي ذر او سلمان المحمدي او عمار بن ياسر او المقداد، هؤلاء المؤمنين الصالحين من أصحاب أهل البيت.. بل ويمكنك ان تكون جنديا من جنود الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه.. فما عليك الا ان تنوي وتصمم وتتطلع.. وهذه النية وهذا التطلع هو الذي ينهض بك كما تنهض الطيور بأجنحتها..
ثم عليك ان تطمح لأن تكون الرجل الذي يتميز عن غيره جودة وأصالة وفعلا. فإن شئت ان تكون مهندسا، فلتكن أفضل المهندسين. وان شئت ان تكون مؤلفا، فلتكن أفضل المؤلفين. وان شئت ان تكون تاجرا، فلتكن أورع التجار وأغناهم.. كل ذلك لا بأس به، لأن الطموح الحياتي أمر لابد ان يكون نصب عيني الشبل المؤمن.. اذ الحياة واسعة رحابها، وبإمكانك ان تتطلع إليه، والله سبحانه وتعالى يمد هؤلاء وهؤلاء من عطائه. فمن أراد الدنيا أعطاه الله منها، ومن أراد الآخرة أعطاه الله منها، ومن أراد الدنيا والآخرة أعطاه الله منهما. ومن الناس من يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ومثل هذا الطموح وذلك التطلع ينبغي ان يركبا على قطار يقوم على دعامتين أساسيتنيين.
الأولى: الحماس، فأنت في مطلع عمرك لابد ان تتمتع بالحماس اللازم والعزم الأكيد والحيوية الجياشة.
الثانية: الحكمة والتعقل والاستفادة من التجارب.
فلا تقض حياتك باللهو واللعب، اذ ليس للعب خلقت، ولا للهوى أُنشئت، بل لقد خلقك الله من اجل هدف هو أفضل وأعظم، فلماذا لا تريد ان تكون رجلا مميزا؟ ولماذا تحب لنفسك الشيء البسيط فتقنع بالقليل.
أما وصيتي للشباب، فهي القول بأنكم أيضا لديكم الفرصة في شهر رمضان المبارك لكي تصلحوا أنفسكم، وان تكرسوا العقائد الحقة في أدمغتكم وقلوبكم لتكونوا قد وصلتم إلى شاطئ الأمان وساحل الاستقرار الروحي.
فأنتم أيها الشباب ذكورا وإناثا، في معرض خطر الدنيا المفترسة الآن.. فكل الأجهزة الطاغية تحاول سلب إيمانكم وعقيدتكم بالله سبحانه وتعالى، فهي تسعى بكل جهدها لأن تحرفكم عن الصواب بإتجاه التشكيك بعقائدكم ومما خلقتم من أجله. فكان الأمر الأهم بالنسبة لكم ان تستفيدوا من فرصة شهر رمضان، فتكرسوا عقائدكم، حتى يكون إيمانكم بالله قويا وبنبيكم صادقا، وبالتالي ان تتمكنوا من توفير المعرفة الحقة لأنفسكم بالله وبالنبي والأئمة وبسائر التعاليم الإلهية..
وأقول ذلك، لأنك ـ أيها الشاب ـ قد تجهل أية فتنة تتربص بك، وأية غائلة تترصدك، وأي امتحان عظيم ينتظر مستقبلك؟
فالمستقبل مجهول رغم ان كل إنسان يفكر فيه، وان أدق وأفضل المخططين يعجزون عن التنبؤ بما سيحدث غدا، وقد قال عز اسمه: (ما تدري نفس ماذا تكسب غدا) و: (لا تعلم نفس بأي أرض تموت) فكيف يمكن لإنسان ان يعرف مستقبله كله وحياته كلها؟!
إنكما ـ أيها الشاب والشابة ـ أمام مشاكل كبيرة وكثيرة، فعليكما ان تهيئا أنفسكم وتتسلحا بالإيمان والعقائد الصحيحة والسليمة، وليس أفضل زمنا للتسلح من شهر رمضان، حيث تواظبا على الحضور في مجالس العلم والقرآن والدعاء. فعليكما ان تدخلا المساجد بروحية لتخرجا أشد علما وإيمانا. هذه هي الوصية الأولى لكل الشباب المسلم.
أما وصيتي الثانية، فهي ضرورة الاهتمام بأصل الاندماج بالحياة المحيطة، اذ ان من الوسائل الفعالة والمقيتة التي تستخدمها أجهزة الكفر في العالم هي تمزيق الناس وتفريقهم عن بعضهم البعض وتحويلهم إلى رذاذ لا تأثير له، وأعني بالتمزيق، تمزيق كيان الأسرة وصرح الإخوة والصداقة والعلاقات الاجتماعية الطيبة عموما.
والوصية الثالثة للشباب، هي نشدان النجاح والفلاح، اي ضرورة ان يقرر كل شاب مسلم ويعقد العزم على ان يكون إنسانا ناجحا في حياته ومفلحا في مصيره، فلا يسمح لنفسه بالهزيمة أمام المشاكل والعقبات التي تعترض طريقه، ونشدان النجاح والفلاح هذا يمكن توفيره من آفاق شهر رمضان المبارك، لأنه الشهر الذي يزود الفرد بالعزم الشديد والإرادة الفولاذية والمقاومة الدائمة.
وأما وصيتي لعامة الناس، فهي قولي لهم. بأنكم اذ تردون على مائدة الله تبارك وتعالى في هذا الشهر الفضيل عليكم ان تقوموا بانتفاضة واحدة عارمة ضد الذات، لأن كل إنسان تتراكم عليه الأخطاء ونقاط الضعف حتى تتحول إلى عقد متأصلة يصعب عليه تجاوزها بيسر.
فقد تكون مشكلة الإنسان انه يتصور كون نقاط الضعف فيه أمرا ذاتيا، فيتخيل الغيبة والنميمة والكذب والأنانية جزءا من ذاته، وأن سلوكه حتى وان كان خاطئا فإنه لا يمكنه التخلص منه.. ولكن الأمر المؤكد هو ان هذا المذهب مذهب شيطاني، فإن الله قد خلق الإنسان بريئا من الصفات السلبية، وهو القائل: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).
ان المشكلة الكبرى تكمن ـ إذن ـ في محاسبة الذات ومحاكمتها في محكمة الوجدان الداخلية، ولذلك صار الاستغفار من أعظم العبادات، فإن يستغفر العبد ربه يعني انه يعيد النظر في نفسه ويكبح جماحها لئلا يرتكب ما هو أفدح وأخطر، فهو ـ على هذا الأساس ـ يقوم بثورة ضد ذاته وينتفض على جمودها ويأسها من روح الله.
فأنتم الذين تمرون في وسط العمر أمامكم فرصة أخرى في الحياة، فتعالوا إلى الاستفادة منها دون سوء في الظن، ودون حميات وعصبيات وعقد، وتعاملوا مع الحياة معاملة حسنة، وبدون كفران لنعمة..
ففي شهر رمضان المبارك ساعات نورانية تتجلي روح الإنسان فتصير خارج إطار ركام الأساطير واليأس والممارسات السلبية السابقة، وهذه الساعات من شأنها مساعدته على الانتفاض ضد ذاته، وذلك بما ينعم الله عليه من قوة وشجاعة وإيمان وتطلع. فلكم ان تصوغوا أنفسكم صياغة طيبة جديدة في ليلة القدر وليلة عيد الفطر، لأنهما ليلتان مباركتان تبعثان على الحيوية.
ان معنى التوبة الحقيقية هي هدم السلبيات السابقة والعزم على القيام بعملية بناء جديد، تماما كمن كان يملك بيتا مهدم الأطراف قديم البنيان، فيعزم على هدمه واكتساحه ليخلق عمارة جديدة زاهية منه. فإذا كان البيت ـ مهما اختلف شكله ـ لا يصاحب الإنسان في قبره وآخرته، فإن العمل هو الوحيد الذي يصطحبه الإنسان في قبره وقيامته، فما أجمل به ان يصطحب عمل الخير.
ان البعض من الناس حينما يصلون سن الأربعين يقولون: لقد انتهت فرصة التقدم، فيصابون باليأس والخمول والقنوط، ولكن العكس هو الصحيح، اذ ان العمل يكتمل في هذه المرحلة من العمر ويبدأ النشاط من جديد، ولعل كثيرا من الأنبياء قد بعثوا في الأربعين من عمرهم، ومنهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.. فلماذا اليأس، ولماذا القنوط ولماذا التراجع.
ووصيتي لكبار السن الذين تقدم بهم العمر وجللهم الشيب وانحنيت ظهورهم.. تكمن في كلمتين:
الأولى: الا يسمحوا للمرض والوهن والشيب ان يغزوهم، بل عليهم هم ان يغزوا هذه المظاهر، فهم أكبر من الشيب والمرض والعجز.. فالمرض لا يقتل الإنسان بقدر ما يقتله الاستسلام له. نعم ان الموت حق، ولكن ابن آدم لا يموت الا مرة واحدة، والقانط والآيس يموت كل يوم مرات ومرات!!
الثانية: ان تستعدوا استعدادا إيمانيا للرحيل، وان تكتبوا وصاياكم، وهذا لا يتنافى مع الحياة أبدا، فالذي يستعد للموت يعيش العيشة الراضية في حياته، فإن كانت عليكم ديون للناس فحاولوا ان تؤدوها، وان كانت عليكم ديون لله، فهي أحق ان تقضى.
أما وصيتي لإخواني العلماء والخطباء، فهي ضرورة تأكيدهم من على منابرهم ومجالسهم بهذه الوصايا، بالإضافة إلى أهمية تركيزهم على المسائل والقضايا التي يحتاجها الناس، كمعالجة العقد الاجتماعية والأمراض الروحية.